حالة انفصالية مستحيلة تجاه وحدانية الدولة
البروفسور طوني عطاالله
Friday, 06-Mar-2026 04:06

هل "يُضَبضِب" اللبنانيّون أنفسهم بعد كوارث المغامرات الحربية والمقامرة بمصير الوطن؟ ليست عبارة "ضَبضَبة" توصية أخلاقية فحسب، بل شرط بقاء للوطن الصغير في خضم حرب عالمية مصغّرة مسرحها الشرق الأوسط. عادةً، اللبنانيّون غير معتادين على ضبط النفس ولا على التفكير السياسي البعيد الأفق، بل على ردّات فعل غير مدروسة، غالباً ما تؤدّي إلى الهزيمة عندما يكون الخصم أقوى وأكثر تنظيماً وأفضل أداءً. يدخل العالم مرحلة جديدة عنوانها التفكُّك العميق. إيران وأميركا مهدَّدتان بالتشظّي بفعل الحرب، وبفعل ما تستشرفه أدبيات "نهاية الغرب". أمّا بنيامين نتنياهو، فيخوض حرباً تلو أخرى هرباً من مواجهة مجتمعه وأزماته الداخلية.

يعيش العالم زمن عصر عجز القوّة L’impuissance de la puissance. القوّة وسيلة وليس للقوّة أي فلسفة بذاتها، القوّة هي في خدمة مشروع ديبلوماسي وتفاوض. لا قوّة من أجل القوّة فحسب، ولا قدرة لها بمفردها على إنتاج معالجات لنظام ضامن ومستقر. تمكّن الإتحاد السوفياتي قبل تفكّكه من بناء قوّة نووية واجهت القوة الأميركية، بينما شعبه جائع ويفتقر إلى الإيمان بقوّة الإتحاد وقدراته. عند توازن القوى بين المتنازعين، لا مناص من البحث عن تسوية. يركّز أخصائي العلاقات الدولية Bertrand Badie وغيره في القانون الدولي على العادات والأعراف، مع تجاهل القِيَم التي صيغت في شرعات ومنظومات دولية سعياً للعدالة والسلم الدوليَّين. في حال استحالة وجود حل بين المتحاربين، لا يمكن لأحدهم أن يُحكِم سيطرته أو أن يخرج منتصراً من المفاوضات.

1 - غياب منظومة قِيَم
الخلل في الوقت الراهن ليس حصراً في موازين القوى، بل في ارتباط الموازين بمنظومة قِيَم. ثمة جيل جديد من القانونيِّين، وليس من الحقوقيِّين، يلقن القانون الدولي مشيحاً النظر عن القيم وعبر التركيز على علاقات السلطة والمصالح الآنية.
المشكلة لدى اللبنانيِّين أساسها ثقافي وتربوي، منذ أن عُطِّلت خطة النهوض التربوي على يد أحد وزراء التربية السابقين. مذاك نشأت أجيال على ثقافة التبعية لا على ثقافة الدولة. لذلك نعيش عودة عصر البرابرة، حيث يُستعاد الدين بوصفه سلطة. كيف يمكن لمجتمع أن يقبل بأن يحكمه شيخ بصفته رجل دين يزعم لنفسه النطق باسم الله وتمثيله على الأرض؟!
على مستوى النظام الدولي، العلاقات الدولية متدهورة، تسودها الفوضى في ظل غياب دور الأمم المتحدة. حتى "مجلس السلام" الأخير لم تحضره سوى 17 دولة من أصل 194! لم يعُد ممكناً بناء نظام دولي قائم على القوّة وحدها. إذا أدّت القوة إلى استسلام الطرف الأضعف، أمكن فرض أمر واقع موقت. أمّا إذا كانت الحرب بين قوى راديكالية، فإنّها تطول حتماً.
"حزب الله" ليس حزباً سياسياً بالمعنى القانوني والدستوري، بل عمل على تأسيس دويلة رديفة، تنازع الدولة الشرعية سلطتها وسيادتها واحتكارها للقوّة المنظمة ولقرار السلم والحرب. تبنّى إطلاق عدد من الصواريخ على أهداف إسرائيلية لم تُصِب أهدافها إلّا جزئياً، وسقط بعضها في مناطق مفتوحة، في ما سُمِّي "حرب إسناد ومشاغلة"، من دون فائدة عسكرية، بل بكلفة بشرية فادحة، وغباء سياسي.
تعمل الدويلة الرديفة بإمرة نظام إقليمي مأزوم، يستجلب لنفسه عداء أكثر من 12 دولة عربية وغير عربية، في محيط قصفه حيث يطال العرب أكثر ممّا يطال إسرائيل. ونتيجة لتهوُّره، أعلنت إسرائيل الحرب على لبنان، لا لأنّ الدولة اللبنانية قرّرت المواجهة، بل لأنّ دويلة رديفة مرتبطة بالخارج قرّرت المغامرة وسلب الدولة الشرعية قرار السلم والحرب.

2 - قرار تأسيسي
اجتمع مجلس الوزراء وأدان عمل الدويلة الرديفة وقرّر حظر أنشطتها العسكرية والأمنية، باعتبارها تنظيماً لا يملك علماً وخبراً وفق الأنظمة اللبنانية، أي غير مشروع. لكنّ هذا القرار، على أهمّيته، هو تأسيسي وواعد. كان بإمكان الحكومة أن تعلن حَلّ الحزب تنفيذاً للبند المتعلّق بحَلّ جميع الميليشيات الوارد في ميثاق الطائف. وليكون الحُكم مُبرَماً غير قابل للنقض لتعلّقه بجريمة إرهابية، كان يُفضَّل أن تُحيل مطلقي الصواريخ ومحرّضيهم إلى المجلس العدلي. تتصل الجريمة بأمن الدولة الداخلي والخارجي، فضلاً عن الإرتباط المباشر بالخارج، ممّا يُفقِد الفاعلين الطابع الوطني ويُصنِّفهم ضمن خانة العمالة التي طالما اتَهَموا بها أخصامهم، ويمكن تالياً إضافة الحدّ الأدنى: حظر مؤسسات الدويلة المالية والإقتصادية الإجتماعية ومصادرة أسلحتها تطبيقاً لمقرّرات حصرية السلاح في 5 و7/8/2025.
لم تكتفِ الدويلة الرديفة بزجّ لبنان في الحرب، بل فعلت ذلك بذريعة "الثأر" لقوّة خارجية، ثم طالبت الدولة اللبنانية بتحمّل تبعات الردّ الإسرائيلي، تماماً كما إلقاء آلاف النازحين على الطرقات سابقاً والطلب من الدولة معالجة النتائج. إنّها تقوم بالفعل لمصلحة الخارج وتطالب الداخل بتحمُّل الكلفة.
تدرك الدويلة الرديفة حجم الضربة المقبلة، وقد تكون اختارت أن تختم مسيرتها العسكرية بنبرة عالية، مبرّرة لإسرائيل إنهاء سلاحها بدل تسليمه طوعاً إلى الدولة اللبنانية، وهي تُفضِّل الهزيمة أمام العدو الإسرائيلي على الإنخراط في الدولة، انسجاماً مع نزعة توسيع الحرب وإغراق المنطقة معها. النظام الفارسي المأزوم، لا يمانع في إغراق غيره، بعدما قطع جسوره مع الغرب ومع محيطه العربي.

3 - وضوح الموقف
لم يعُد ينفع للإنقاذ سوى سلاح الموقف والإجراءات الحاسمة. أي موقف ملتبس من جانب سياسيِّين أو جمعيات وروابط وقادة رأي، يصبح مساهمة غير مباشرة في الكارثة. من هنا الدعوات المتزايدة إلى اعتبار الدويلة الرديفة حركة إنفصالية مستحيلة تجاه وحدانية الدولة ومركزيّتها. يقتضي التعامل معها كما تتعامل كل دول أوروبا مع أي حزب محظور، حيث يُجبر على الاستقالة كل مسؤول يظهر ميول التعاطف معه.
غياب سلاح الموقف يظهر في حالتَين: لم يصدر أي وثيقة تأسيسية لمرحلة ما بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر وما أرسته من خريطة طريق للخلاص! وكذلك لدى المسترئسين والمستوزرين الذين يؤخذ عليهم انتهاج مواقف مخادعة من أجل المحافظة على حظوظهم في الرئاسة.
إعلان إسرائيل بدء هجومها على لبنان أعاد تأكيد حقيقة أساسية: كلّما ابتعدنا عن الحياد دخلنا في الكوارث. غالبية اللبنانيِّين لا تؤيِّد المقامرة بمصير الوطن ولا ممارسة "الدعارة في السيادة".
كل عمليات المقاومة غير العاملة من ضمن الدولة، تُعرِّض مئات آلاف المدنيِّين للهجرة أو الهروب. في الحروب حيث تسود مغامرات ورهانات شديدة الخطورة، تواجه الأطراف الخاسرة مشكلة التعايش مع النتائج الخطيرة لمشاريعها وتطلعاتها الباهظة الكلفة، ولا تندمل الجروح بسرعة.
لقد بات واضحاً أنّ أي مقاومة بلا دولة تصبح ضارّة، وأنّ واجب اللبنانيِّين اليوم حماية وطنهم وسط التحوُّلات الدولية الكبرى، عملاً بالحكمة الشعبية البسيطة والعميقة في آنٍ: "عند تغيير الدول... إحفظ راسك". وإلّا، فمَن يُريد الحوار، إنّ الحوار الوحيد المتاح اليوم هو على حالة إنفصالية مستحيلة على البارد، كما حصل في يوغوسلافيا السابقة والسودان.

الأكثر قراءة